وصلنا الآن إلى الحديث عن الانطباع السلبي القوي وتأثيره في تذوق النص الشعري ونقده ، و كنا قد تكلمنا آنفا عن نظيره المعاكس له في القوة وهو الانطباع الإيجابي . ويتميز أحدهما عن الآخر بأن الإيجابي منهما يوافق الميول الأخلاقية والأيديولوجية (العقدية ) عند المتلقي، في حين يخالفها الانطباع السلبي . وهذا التمييز بينهما يدفعنا للمقارنة بين النصين المسببين لهما من حيث المحتوى الأيديولوجي، وهو ما لم نأتِ على ذكره في الحديث عن تشكيل الانطباعين الإيجابي القوي و العادي ( النمطي ) عندما انصب حديثنا بشكل خاص عن المثيرات الجمالية في النص .
لكننا في حال الانطباع السلبي سنشدد على دور المحتوى الأيديولوجي للنص انطلاقا من مفهوم (العامل المحدد) الذي يستخدم في العلوم الحيوية ، والذي يعني تحكم العنصر المفقود في مجرى العملية الحيوية بحيث يرتبط حدوثها بتوفره فقط، إذا كانت بقية العناصر متوفرة بمستوياتها المطلوبة . وقد لا يكون هذا العنصر مفقودا تماما ، لكن حتى توفره بشدة أقل مما هو مطلوب كذلك يجعله عاملا محددا ويسمى عندها ( منبها غير عتبوي ) ، أي أن شدته أقل من العتبة الدنيا المطلوبة ليتحول إلى منبه فعّال مؤثر. فقياسا إلى ذلك نرى شرط التوافق الأيديولوجي بين المتلقي ومعطيات النص مهمل التأثير عند توفره في حالتي الانطباعين الإيجابي القوي والعادي . بينما يصبح عاملا محددا في حال افتقاده ويتحكم هو وحده بتشكيل الانطباع السلبي القوي .

وكلا النمطين من الانطباع القوي الإيجابي والسلبي يختلفان عن الانطباع النمطي العادي في امتلاكهما بذور التحريض التي تنتقل من النص إلى المتلقي، وغالبا ما تحرضه على الكتابة الإبداعية إثر القراءة إن كان يتعاطاها بوصفه ناقدا ً أو شاعراً. فالانطباع الإيجابي يحرض على الكتابة بسبب شحن شعور القارئ المتذوق بطاقة انفعالية إيجابية تلاحظ من خلال ارتفاع مستوى التمثل الجمالي والعاطفي أعلى من المعتاد . ويتجلى ذلك بتيقظ الوعي وتفتحه وزيادة حدة التركيز الذهني في استشفاف جماليات الصورة الفنية واستيعاب المعاني العاطفية أو النفسية المرتبطة بها . وفي هذه اللحظات يشعر المتلقي تماما بارتفاع مستوى التوتر العاطفي الذي أثاره النص حسب موضوع النص ..ولن نغالي في وصفنا له كشخص مشحون بعاطفة إيجابية .

وهكذا فإن مشاعر المتلقي المثارة إيجابياً تعاني زيادة واضحة في درجة تمثل الشعور المثار نفسيا. وهكذا سنجد المتلقي مثلاً بعد قراءته قصيدة في (الفخر بالشجاعة) أكثر إقداماً وأعظم شجاعة وأكثر اعتزازا بكرامته وبالمكارم التي حرضه النص على الفخر بها مما كان عليه قبل القراءة ، في حين سنجده بعد قراءته قصيدة الحزن على فراق الحبيب أكثر رقة وشفقة مع الكائنات وأكثر تهذيبا وتفهما لمشاعر الحرمان وأكثر ميلا للتأمل في ضعف الإنسان ومعاناته وعذاباته وما إلى ذلك من معاني التوجع .

وعلى العكس من الانطباع الإيجابي فإن الانطباع السلبي يشحن شعور المتلقي بطاقة سلبية عالية تتجلى بالمشاعر السلبية كالشعور بالغيظ والغضب والظلم والإهانة ، وإن هذه المشاعر لا يمكن تحريكها إلا بتصادم أيديولوجية صاحب النص مع أيديولوجية المتلقي ، وعبر الوضوح الفكري البحت المجرد عن الأسلوب الفني للنص . فهكذا يثار الوعي عند المتلقي إثارة عاطفية قيمية (عقدية ) تضع الصور الشعرية الفنية التي يتضمنها النص جانبا ، وتتعامل معه على أساس أيديولوجي بحت ويتحفز المتلقي ذهنيا لإعادة قراءة النص قراءة معادية تعيد اكتشافه من جديد في ضوء مثيراته السلبية التي هي أفكار عقدية فاسدة عند صاحب النص – كما يراها المتلقي - والتي أثارت الشعور بالإهانة والظلم والغيظ وولدت الرغبة بالانتقام والرد عند المتلقي . فالمتلقي في حالة الانطباع السلبي القوي يعزل شعوره عن التأثر بجماليات النص التي يمكن أن يتأثر بها أي متلق آخر ذي أيديولوجية موافقة لصاحب النص .

وما ذكرناه عن عدم تأثر المتلقي بجماليات التعبير في النص الشعري لعدم توافقه مع أيديولوجيته في تشكيل الانطباع السلبي يضعنا وجها لوجه أمام جدلية العلاقة بين القيمتين الجمالية والأخلاقية وكيف يمكن تحقيق الموضوعية بالفصل بينهما بهدف محاكمة النص محاكمة أسلوبية بحتة (وفقاً لمنهج الأسلوبية في النقد ) دون أن يقف الانطباع السلبي للناقد عائقا دون ذلك .لأنه حتى في منهج الأسلوبية لا بد من الأخذ بعين الاعتبار رسالة ما يقدمها المرسل (صاحب النص ) إلى المرسل إليه ( المتلقي ) ، فكيف يمكن الفصل في الرسالة ما بين القيمتين الجمالية والأخلاقية ؟ ويصبح هذا السؤال أكثر إلحاحا ونحن نستعرض مناهج النقد التي لا تفصل بين النص وصاحبه عند تحليل الرموز والدلالات التي يقدمها النص أو صاحبه ، كالمنهج النفسي والمنهج السيميائي .إذ يتعامل المنهج النفسي مع النص بما يتضمنه من الرموز اللغوية (المثيرات الجمالية ) كما يتعامل الطبيب جراح العظام مع الصورة الشعاعية التي يعتمدها مرجعا لتشخيص مكان الإصابة وبالتالي فهو لا يحلل النص إلا بوصفه تحليلا نفسيا لصاحبه . وليس الأمر بعيداً عن هذا الاعتبار في المنهج السيميائي الذي يعمد إلى تحليل رموز النص ودلالاتها ليعيد ربطها بالواقع مرة أخرى .وهكذا فإن القيمة الجمالية في النص تبدو انعكاسا ما من الواقع الذي يراه ويتمثله صاحب النص .

لقد ذكرنا آنفا أن الخبرات الانفعالية الجمالية السابقة التي يختزنها اللاوعي ذات طبيعة مزدوجة (شعورية فكرية في آن واحد ) ،وذكرنا أن الانطباع الإيجابي القوي يثير المشاعر دون الأفكار . وسنقول الآن إن الانطباع السلبي – وما زلنا نتحدث عنه – وخلافا للانطباع الإيجابي هو الذي يثير تلك الأفكار المرتبطة بالخبرات الانفعالية السابقة. وستكون هذه الخاصة واضحة إذا طرحنا مثالا عن الانطباع السلبي القوي الذي يمكن أن يولده نص شعري يتضمن استخفافا بالقيم أو الرموز الدينية التي نعتقد بها . فهذا النص الذي سيصطدم بمثيراته الفنية مع ميولنا الأخلاقية والسلوكية والذي سيهدد حاجاتنا الملحة لإرساء وتأييد ما لدينا من عقائد سيشكل لدينا انطباعا سلبيا قويا يحفزنا على الوقوف ضده منذ اللحظات الأولى للاستثارة الحاصلة بتأثيره ، وعند ذلك فإننا نكون قد تحيزنا نفسيا ضده إلى درجة أننا نرغب بسلبه كل ما يتصف به من مميزات فنية أسلوبية أو لغوية أو جمالية بالمنظور النظري المجرد عن القيمة الأخلاقية . فانطباعنا السلبي سيتحول إلى شعور واضح بالغيظ والغضب وشعور خفي بالقلق .وكل ذلك سيحملنا على محاربة النص ما أوتينا إلى ذلك من سبيل. ومقصدنا أن نؤكد أنه لا موضوعية مع الانطباع السلبي.

ومن هنا لا يمكننا فهم كيف تفرض حرية التعبير كحق شخصي عندما يمس هذا التعبير بالجانب العقدي من المتلقي ، ثم لا يتم تقبل رد الفعل العدواني من قبل المتلقي تجاه صاحب النص بدعوى وجوب الموضوعية في تذوق العمل الأدبي أو الفني .إن هذا الادعاء بكل بساطة يلغي مسؤولية صاحب النص عن التأثير السلبي القوي لنصه على الرغم من أنه يتعمد ذلك التأثير ، ويحمل المتلقي مسؤولية التأثر بالنص على الرغم من أنه لا يتعمد التأثر وإنما يستجيب له فطريا وآليا . والأمر هكذا يشبه أن تعطي لشخص ما الحق بأن يصفع غيره للتعبير عن رأيه ، ثم تمنع حق التوجع والدفاع عمن تلقى الصفعة لأنه مطالب بالموضوعية في التعامل مع الصفعة .

يتبع بإذن الله