عرض مشاركة واحدة
  #41  
قديم 09-05-2016, 12:40 AM
{{د. ضياء الدين الجماس}} غير متواجد حالياً
مُجاز في العروض الرقمي
 
تاريخ التسجيل: Oct 2013
المشاركات: 2,065
الفصل الخامس
آراء في الخليل

لا شك أن النفس الإنسانية تميل للتجديد ، ولكن ذلك لا يبرر نكران فضل السابقين، خاصة أولئك الذين وضعوا حجر الأساس في بناء الحضارة العربية الإنسانية.
- منهم من يريد ابتكار بحور جديدة لم تكفهم بحور العرب الأصيلة التي حفظ الخليل لهم مخطط هندسة بنائها. فجاءت بحورهم مخالفة لأبسط قواعد بناء الشعر العربي الأصيل منها على سبيل المثال أن يجاور وتدين أصليين في قصيدته فيعيق من حيث لا يدري سلاسة التعبير والنطق.
- ومنهم من يهاجم بطريقته الخاصة، وهو لا يدري أنه يرسم شخصبة ذاته الجاهلة بسطحية معرفته بالرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
لم يؤسس الخليل علم العروض للشهرة ، بل شهرته من إخلاصه لله وصدقه معه فعلمه ما لم يكن يعلم وكشف له نور حقيقة هذا العلم الذي تميزت به العرب بسلقتها النقية، وما قام به الخليل كسائر أعماله الأخرى من وضع معجم العين ووضع مبادئ النحو وتنقيط القرآن وشكله وغير ذلك.. وهي كلها أعمال أعظم عند الله من علم العروض ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
في جريدة الرياض العدد 16439 نشر هذا المقال تحت عنوان (العروض نظرية تربوية)
(تعليقي بالأحمر)
حين ينشدون لا ينتظرون المطر.. لكنهم ينتظرون عصا الخليل بن أحمد تهشُّ قطيع المستمعين إلى ساحة النفاق..!
(في عصا المعلم التعليمية التربوية روح الحياة التي يصقل بها أبناء أمته، وتدفعهم إلى سلوك الصراط المستقيم وتنهض بهم إلى أعلى منارة تفتح آفاق عقولهم المغلقة).
مما لاشك فيه ان الخليل بن احمد الفراهيدي.. شخصية عبقرية فريدة في تاريخ القصيدة العربية..
(هذه شهادة حق يشهد بها القاصي والداني ، ولكن من يشهدها يجب ألا يخرقها ليكون صادقاً مع الحقيقة.)
من خلال نظرية العروض الشهيرة التي جاء بها في اواخر القرن الهجري الثاني.. فقد رسم ببراعة فائقة (النوتة) الموسيقية للقصيدة العربية على اختلاف ايقاعاتها المعروفة.. والموروثة آنذاك..
(كانت وستبقى محفوظة بأيدي المخلصين لعلوم العربية بشتى صورها.)
وهو قفزة عبقرية فذة في مجال التعامل مع الصوت قياساً بتلك الحقبة الزمنية..
(هو رجل عبقري في علوم اللغة العربية ومفرداتها ، فهو واضع أول معجم عربي مفهرس، كما اشتهر في علم النحو وعلوم القرآن الكريم، وهو أشرف العلوم. ولعل ما ناله من شرف العروض ناله من شرف باقي العلوم الأخرى التي يتقنها.)
لكن السؤال الجدير بالطرح هنا.. ما هو الدافع وراء وجود هذه النظرية.. طالما جاءت تطبيقاً على ما هو موجود..؟ هل الهدف من وجود هذه النظرية.. هو تعلم الشعر؟ وهل الشعر لا يكون الا بدراسة هذه النظرية واتقانها ؟!
(السبب هو حفظ هذا التراث الذي كان سيضيع بالاختلاط بالأعاجم لولا وضع قواعده كما قواعد النحو.. لم يطلب مالاً ولا شهرة ، وما كانت شهرته لتكون لولا إتقانه لما أبدع).
الحقيقة، المنطق يخالف ذلك بدليل انتشار الشعر وشيوعه بل وتغلغله في نفس العربي.. قبل نظرية العروض الخليلية الشهيرة هذه..
(انتشر الشعر عند العرب الأقحاح لفظرتهم السليمة وعدم مخالطتهم الأعاجم ، كما اشتهروا بشدة ودقة قدرتهم على الحفظ.)
وفي المقابل يبدو الدافع من وجودها هو العبقرية التربوية التي سيطرت على ذهن الخليل بن احمد حين تكشف له وبوضوح ان الشعر خاصة وعاء التاريخ والعلوم والثقافة العربية حيث كانت الشفوية المترنّمة هي الأسمى مقارنة بمهنة التدوين والورّاقين في ذلك العصر..
(أما العبقرية التربوية فيبدو مصطلحاً غامضاً عند قائله فالعبقرية نور وانفتاح بصيرة ، وليست شهوة تسيطر على الإنسان.)
وهذا تحديداً ما يفسر لنا تجاهل الخليل لبحر المتدارك الذي جاء به بعده تلميذه الأخفش.. ولم يكن سهواً من الخليل بقدر ما كان عدم شيوع هذا البحر الشعري من اهم مسوّغات تجاهله.. ذلك أنه لا يخدم نظريته التربوية التي اشرت اليها.. مثل هذه الفكرة تفتح لنا آفاقاً من التأمل والملاحظة.. بل وتفتح ابواباً من التأويلات الحلمية.. لعل أهمها.. هو
(هذه منهجيته ولم يسقط البحر سهواً فهو أحد نواتج دائرته العروضية ، ولكنه لم يهتم إلا بما نطق به العرب تطبيقياً واستساغوه.)
ماذا لو ان عقلية عبقرية كالخليل.. طرقت باب الشعر بنظرية فنية لا تربوية..؟ إن ما قدمه الخليل بن احمد للشعر.. كقيمة (وعائية) يفوق كثيراً ما قدمه من الناحية الفنية..
(هذه ليست مهمة الخليل ، فكم علم تريد من الخليل أن يؤسس ؟)
ولعل السقوط الشنيع للشعر في عصر الدول المتتابعة أو عصر (انحطاط الشعر) كما يسمّى أحيانًا شاهدٌ حي على الاحتفال بالصنعة التي سعى اليها الخليل دون قصد.. وهي ذاتها المفسر الوحيد للغياب شبه الكلي للقصيدة التقليدية ذات الآفاق الشعرية في العصر الحديث ..
(وهل الخليل مسؤول عن انحطاط المستوى الأخلافي والذوقي الأدبي للناس، هناك خلط وعدم وضوح روية عند الناس، يريد من الخليل أن يحفظ قواعد العروض ويعلم الناس كيف ينسجون صورهم الشعرية. سبحان الله)
وقبل أن يشنقني (الخليليون) على بوابة (فاعلاتن وأخواتها).. سأقول بكل تلك العفوية التي جبلت عليها في علاقتي مع القصيدة.. والله إنه لتتملكني الدهشة، والذهول.. وتنتابني حالة من التأمل البارد حين اقرأ قول امرئ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدوله
علي بأنواع الهموم ليبتلي
ثم أعود واقرأ قوله:
مكر مفر مقبل مدبر معا
كجلمود صخر حطه السيل من عل
ومثار هذه الدهشة وهذا البرود الفني هو كون البيتين جاء على إيقاع شعري واحد بحسب البحر الخليلي (اللي يبلبط فيه الشاعر) (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن .. فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن) فهل اكتفى الإيقاع (الخليلي) هنا برسم المنهجية الشعرية في إطار تنظيمي؟! وأين دور الإيقاع في عملية التأثير التعبيري المتمثل بالشعر؟!
(وهل مهمة الخليل شرح القصائد؟)
أعلم إن إثارة قضية التوجه التربوي الخالص في نظرية العروض الخليلية ستثير احتجاج أصدقاء كثر.. لكنني هنا بينما - أصفّف أيامي تحت غيمة من قصيدة - أكاد أجزم بها فمن غير المعقول أن يكتفي الإيقاع بدور المنظم أو الجلباب دون أن يكون له دور في التأثير الفني.. بل إنه ربما حق لنا أن نجتهد في رص التفعيلات بصورة مختلفة بين البيتين.. وبصورة أخرى قد لا يختل معها الإيقاع الشعري، أو على الأقل نزاوج بين هذه التفاعيل علها تتكاثر فعلولات وفعاليل أخَر..!
(كلام للاستهلاك لا معنى له ولا فائدة.. ومن يمنع احداً من أن يأت بعلم أكثر دقة من عروض الخليل.)
لكنني وبصدق وحيادية في الوقت ذاته ربما أتساءل.. كيف يمكن أن نستسلم لهذه السلبية الموسيقية والتهميش المفرط لأهمية الايقاع في عملية التأثير الشعري حين تصدر من شخصية لا نشك في تفردها وعبقريتها كشخصية الخليل بن أحمد الفراهيدي..؟! إن هذا النموذج الحي لبيتين من الأبيات الخالدة في الشعر العربي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك من ان الهدف الذي سعى إليه الخليل من وضع نظرية العروض الشهيرة كان هدفاً تعليمياً تربوياً، ولم يكن هدفاً فنياً على الإطلاق..
(من يستطع أن يأتي بجزء من آلاف مما جاء به الخليل فهو العبقري في زمننا هذا.)
وبالتالي يحق لنا أن نقول.. إن تلك الشخصية الفريدة أساءت للشعر كثيرًا من حيث لا تحتسب حين جاهدت بتحميله تاريخ أمة..
(كيف لعبقري يضع قواعد الشعر ويؤسسه ويكون قد اساء له ، تناقض لا أخلاقي.)
إرثها القصيدة فهمَّشت شاعريتها بصورة مفزعة ٍ واكتفت فقط بالدور الإعلامي للقصيدة كناقلٍ لتاريخنا العربي بكل أحداثه...!يااه..!
(هل العروضي يعلم الشعراء شاعريتهم؟)
ماذا لو أنَّ شخصية كشخصية الخليل بن أحمد (العبقرية) جعلت الفنية هدفها من النظرية العروضية ربما قدمت للشعر العربي خدمة جليلة على مدى عصوره..
(هل تريد من الشيخ الخليل أن يعلم الناس كل شيء في فنون اللغة العربية وآدابها، ألا يكفيه (معجم العين) كأول معجم عربي لحقته المعاجم تستنير به ؟
لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل
.)
وكفته مؤونة السقوط الشنيع في مستنقع الصنعة والتكلف في عصر الدول المتتابعة حتى وإن أتت عملية إحيائه على يد مدرسة الإحياء التي عادت به إلى ما قبل نظرية العروض أو حتى ما قبل الالتفات إليها أو التنبه لوجودها، وربما كفته مؤونة الحرب الضروس المفزعة بين ذوي الإيقاع منه والمنخلعين عن حظيرته..
(يريدون من الخليل المحافظة على الشعر حياً ولو مات الناس. هل هذا منطقي؟ هل مطلوب من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم المحافظة على الإيمان في قلوب الناس؟ وهل على الرسول إلا البلاغ؟)
فالحقيقة التي لا تخفى على كثر هي أن عملية الإحياء للشعر التي جاء بها شوقي ورفاقه في أول العصر الحديث، وبعيدًا عن أهدافها وبواعثها وقيمتها التاريخية لم تكن هي الأخرى متوائمةً مع العصر الحديث ومتغيراته وحداثته، حين حاولت كتابة شعر بغير زمنه، وجعلت نصف قصائدها لمديح (البشوات)، ودخلت بالتالي لعبة الصناعة الشعرية بنكهة مصرية جاءت ب (الأبيض والأسود) وبصورة أكثر سقوطًا وأكثر تنفيرًا، ولهذا لم تعمر طويلاً..
(ما علاقة الخليل بأغراض الشعر؟)
فظهرت بالتالي قصيدة التفعيلة ومن ثم قصيدة النثر وكل ذلك في محاولة جادة لتوليد جديد للشاعرية الموؤودة في تلك النظرية التربوية على يد شيخنا الخليل بن أحمد عفا الله عنا وعنه..!
(كلام لا يستحق إضاعة الوقت فيه ، لولا أنه جعلنا نستغفر الله كثيراً من الذنب الذي أضعناه في قراءة هذا الهراء.) انتهت الردود

يقول العروضي الأستاذ خشان خشان:
(كتبت تعليقا وأرسلته للجريدة في حدود المساحة المحددة وآمل أن تنشره وأعيده من الذاكرة. "آلمني أن يُظلم الخليل على يدي أخي إبراهيم الوافي.
مهمة العروض حفظ الوزن وليست البلاغة أو المعاني من مهامة . مهمة النحو ضبط استقامة الكلام أما سمو الكلام أو إسفافه فليسا من مهام النحو.
تلبيس الخليل قضية خاسرة والحكم عليه بناء عليها فيه ظلم للخليل". انتهى).
هذا الكاتب واحد ممن أعمى الله تعالى قلبه عن رؤية فضل علماء الأمة الذين هم رمز ناصع من رموزها والذين نشهد لهم ويشهد لهم التاريخ بالفضل الكبير على أبناء أمتهم.
هل نتصور ما طبيعة الشعر الذي سيؤول إليه الناس بعد دخول العجمة على ألسنتهم لولا تأسيس علم العروض على يد هذا الإنسان الزاهد الذي لم يطلب درهماً ولا شكراً من أحد؟!!!

- من مقالة للأستاذ محمد تقي جون، تحت عنوان (الفراهيدي وعروضه) يقول فيها (على الرغم من ترفعه عن الدنيا والدنايا، وذكائه المشهود له، مارس الفراهدي فعلا سلطوياً على الشعر والشعراء: (أنا سكان السفينة والشعراء تبع لي)، وضمن هذا الفعل جاء تأليفه العروض. وإذا ثقف الجاحظ لفكرة أن الشعر من حظ العرب وحدهم دون الأمم: (وفضيلة الشعر مقصورةٌ على العرب) فقد حصر الفراهيدي أوزان الشعر بخمس دوائر تضم (البحور العربية) انتهى
أتساءل مستغرباً ما هي القوة السلطوية التي كان يمارسها الخليل على الناس؟ هل كان ملكاً؟
نعم كان يملك العقل الراجح والحجة والبرهان ليس أكثر فسيطر بها على من لديه عقل راجح وقلب حي يدين لأهل الفضل.
كل ما فعله الخليل أنه جمع ما قالت العرب من أشعار ووضع قواعد نظمه كما قعد قواعد النحو لحفظ بناء الكلام العربي الفصيح. فهل هذا يستحق الشكر أم لا؟
ولكن يبدو أن كل من يريد لفت الانتباه إليه يتجه إلى المساس بالكبار ، وهو لا يدري أنه بذلك يحط من قدر نفسه.
أنا أرى أنه بدلاً من الرد على أمثال هؤلاء الصغار، علينا أن نبرز ما قدمه هؤلاء الكبار المخلصون لأمتهم ونجعلهم قدوة لنا نهتدي بهداهم.
لو راجعنا سيرة الخليل وكيف قضى حياته القصيرة في ظل العلم المفيد من علوم القرآن والفقه واللغة العربية وقدم لنا ما استطاع مما حباه الله تعالى ،واعترفنا له بفضله لما وفيناه جزءاً يسيراً مما تفضل به علينا فرحمه الله تعالى وجزاه عنا كل خير .
والحمد لله رب العالمين


__________________
واتقوا الله ويعلمكم الله
والله بكل شيء عليم

التعديل الأخير تم بواسطة : {{د. ضياء الدين الجماس}} بتاريخ 09-15-2016 الساعة 03:05 AM
رد مع اقتباس