هذه قصيدة ألقيت البارحة 19 / 8 / 2005 م في المهرجان المقام لتكريم الشاعر بدوي الجبل
عودة البدوي
دمشق
السبت 20 آب 2005
شعر فاروق شوشة
من سَابحٌ في قضاءِ الشعرِ تيَاهُ؟ يَرفُ في الملأِ الأعلى جَناحاهُ
مُحلّقٌ وحدهُ، في سِربهَ، أبداً المفردُ الجمعُ، ربُّ الشعرِ سوّاهُ
يَطوي العصورَ، ويمضي في دياجرها تُضيءُ رائعة الأشعارِ عيناهُ
عرشٌ قوائمهُ الفُصحى، ومملكة صاغت فراديسَها الغنّاءَ سيماهُ
جبينهُ الشمسُ إلا أنه ذهبٌ غَالى بقيمتهِ، والشعرُ مجلاهُ
وقلبهُ الكونُ، أكوانٌْ تدورُ به كأنها جَلواتٌ في حناياهُ
تفجّرتْ فهي إعصارٌ وعاصفة ورقرقت فهي سلسالٌ وأمواهُ
وعربدتْ فهي ترنيمٌ وزمزمةٌ وطامَنتْ فهي في النجوى قُصاراهُ
وأنْتَ في كِبْركَ العاتي، وفي دَعةٍ سبيكة كلُ ما فيها افتقدناهُ
دعّني أُطلُ بعينيكَ اللتين هما ياقوتتان، هُما للشعر ضَوءاهُ
مازالتا رغم بُعدِ الدار، فيضَ سنا ما كان أروعهُ فينا وأسْناهُ
يا عائداً لبساط الشام، تغمرُهُ عطراً وشعراً، أَهلاّ في زواياهُ
مُضمّخاً بالهوى القْدسيِّ، مشتعلاً كأنك الجمرُ للمقرور يصلاهُ
تسيرُ ملءَ زواياها، وقد رَجفَتْ منك العروقُ، وضاع العزّ والجاهُ
إن أنكروك زماناً، لن يُضامَ فتىً ما إن لهم في عُروش الشعر إلاهُ
أو غيّبوكَ طويلاً، لم يغبْ ألَقٌ اللهُ والحب: دنياه وصوْتاهُ
وإن نفْوك، فهل ينفون واحدهم؟ والكلُّ من بعده في القول أشباهُ
أو باعدوا شعرك المجلوَّ عن عمهٍ نَمّتْ عليهِ من الفردوس ريّاهُ
العنفوان وصوت الوحي في دمه وصولة الشعر معناه ومبناهُ
جفَّت شرايننا، وانفضّ سامرُنا فليس من غايةٍ في الشعر لولاهُ
وراح زهوُ ليالينا، فلا وترُ يشدُّ كِبْرَ المنى، إلا قطعناهُ
وأنت معراجنا الشعريُّ، ترفعنا إلى دُراكَ، فنستجلى خفاياهُ
يسائل النجمُ في خفقٍ وفي دَهشٍ: مَنْ ذلك الكوكبُ العالي ومسراهُ؟
ما للنهايات سدٌّ عند غايته فسِدْرةُ الشعر مأواه وَمرْقاهُ
يهيم بالجلوة الأسنى، فيتبعها ويستبيه المدى القاصي فيغشاهُ
مسافرٌْ وحدهُ في إثرِ فاتنةٍ من القصيد اصطفاها في حظاياهُ
لا وحشة الليل تُقصيه، ولا كَللٌ ينال منه، ولا زيفٌ تصباهُ
حتى يعود وفي كفيه لؤلؤةٌ يتيمةٌ، لم تُضىء إلا بيمناهُ
هذا هو الشعر، يجري فوق ريشته كأنه السُّكْرُ، أصبحنا نشاواهُ
من أيِّ أفق بعيدٍ هاطلٌ أبداً كالسيلِ يجرف قحْطاً حان مثواهُ
ينساب في نَفَس صافٍ، وجلجلةٍ وفي اصطفاقٍ كموج البحر نخشاهُ
هذا هو النَسَق الأعلى، فلا عجبٌ أنَّ العروبة تهواه وتحياهُ
لبنان والشام لوحٌ في مزامره ورملُ سيناء أوّابٌ وأوّاهُ
وقلب بغداد جمرٌ في حُشاشته والقِبْلتان نجاوى في حناياهُ
ها أنت بعد زمان الصمت مؤتلقٌ ما كان أوحشه فينا وأقساهُ
قد عاد للأيكةِ المعطار بلبلها فالمنشدون جميعاً من نَداماهُ
ظنّوا بأنك للنسيان، قد وهموا من ذاق كَرْمكَ يوماً، كيف ينساهُ؟
وَأنَّ مثلك يُطوى في صحائفهم وأنت أنبلُ ما فيها وأغلاهُ
كم من دعيِّ أهان الشعر في صلفٍ وجاء شعرُكَ مجلُوّاً فعرّاهُ
خَلتْ له الساحُ، فاستشرى بعجمته وبئْسَ حنظُلهُ لمّا قطفناهُ؟
من مِصْرَ جئتُ وأشواقي تُدافعني: عجَّل، فركْبُ الهوى زُمّتْ مطاياهُ
قد مّسني الوترُ العذري فاضطربت خُطاَي، لمَا سعى قيسٌ لليلاهُ
وهزّني الوتر الصوفيُّ، حين جلا أشواقَ نفسي فصارت من رعاياهُ
لبيّتُ شِعْركَ يدعونا لمشهدِه فكم جلسْنا إليهِ وارتشفناهُ
وكم همى في ليالينا ـ على ظمأٍ ولم نزل نرتوي حتى عشقناهُ
نعشو إليك، فتُنسينا روائعه فقْرَ الزمان الذي عمّت رزاياهُ
نحن العِطاشُ وهذا الورد يجمعنا نهفو إليه وتُصْبينا سجاياهُ
نتيهُ مالألأتْ فينا جواهرُهُ وكلّما غاصَ في القلب استعدناهُ
يا أيُّها البدوي الحقُّ في زمنٍ الغافلون به عن دربه تاهوا
يا أيُّها البدوي الحقُّ في زمنٍ سحرُ البداوة فيه ضياع معناهُ
جدّدت فيها شباباً ناضراً، وصِباً وصُغت منها جديداً قد حفظناه
وطرت بالشعر ملء الكون، هامية فينا سحائبُه الحبلى وسقياهُ
هذا القديم المُجلّى في تجدده قد زاده العِتْقُ إحساناً وأصفاهُ
هذا الرحيق الذي ذقنا خلاصته وكلما طاب للروح اعتصرناهُ
مَنْ للبداوةِ يُعلي من مكارمها وللحداثةِ يزجيها عطاياهُ
وَمَن لموقِفِ كلِّ الُعرْبِ، حين هوى نجم العروبة، صاروا من شظاياهُ
قد كان شعرك يجلوها ويحفظها وكان ينفُخ فيها من حُميّاهُ
فَمَنْ لها وذئاب الأرض تنهشُها ويكشف الغدُ دوْماً عن خباياهُ
وَمَنْ لها وصلاح الدين ليس لها ولا أميةٌ ممدودٌ ذراعاهُ
ولا النبيون يرعى شَرعَهم أحدٌ يعْنو إلى الله يوماً في مُصلاّهُ
الكافرون بنا صاروا جبابرةً ومجدُنا بقيت منهُ صحاراهُ
هل يستقيمُ زمانٌ فيه يسحقنا طاغٍ، وقد عنتِ الدنيا لطَغْواهُ
يظنُّ أن مصيرَ الكون في يده وأنّهُ ـ ومعاذَ اللهِ ـ اللهُ
ماذا جرى؟ وظهور القوم خانعةٌ ماذا جرى، وشعابُ الأرض تخشاهُ؟
نفتنُّ في صُورِ التبجيل واجفة قلوبُنا، والولاءُ المَحْضُ سُقناهُ
والراكعون أما هانتْ رجولتُهم ليسوا رجالاً ولكن ثمَّ أشباهُ!
الفاتكون بنا عاثوا وما شبعوا وطائر العرْبِ مقصوصٌ جناحاهُ
والساقطون بنو صهيونَ، ما فتئوا يُراهنونَ على مُلكٍ أضعناهُ
والأرضُ من تحتنا تُطوّى، وقد بقيت لنا التباريحُ والأذكارُ والآهُ
هل وقفةٌ نرتجيها غيَر هازلةٍ كي يستعيد بها التاريخ أقصاهُ
وهبة تملأ الأيام مزلزلة بُركَانُها تصعقُ الباغي مناياهُ
وَطّلةٌ في حِمى بغدادَ آمنةٌ يعودُ للشعرِ فيها ما تغنّاهُ
بوركتَ يا جبلاً للشعرِ، نقصده إذا استعدْنا زماناً أنتَ طُغْراهُ
يا شاعراً صاغ من أشعاره وطناً حماه أروعنا عشْقاً وفدّاهُ؟
ومنجماً لكنوزٍ، سِحْرُ جدّتها تبلى العصورُ ويبقى ـ الدهْرَ ـ معناهُ
يشاهدون الموضوع الآن 1